أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
79
التوحيد
لم يجز تغيّرها ما دامت ذاته ، فثبت بذلك الغير لتغيّر الأحوال عليه وبنقله من حال إلى حال ، وذلك دليل تعاليه عن الوصف بالمكان ؛ إذ قد ثبت أن كان ولامكان ، وليس في الإضافة إلى أنه على العرش استوى تثبيت مكان ، كما لم يكن في قوله : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ ق : 16 ] ، وقوله : ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ [ المجادلة : 7 ] ، وقوله : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ [ الواقعة : 85 ] . ذلك على أن القول بالمكان ليس من نوع التعظيم والتبجيل ، بل الأمكنة إنما شرفت به ، وتفاوتت أقدارها بتفضيله مكانا على مكان بجعله مخصوصا لأخيار خلقه أو لما جعل لعبادته وتعظيمه فيه . فأما أن يكون أحد تعلو رتبته بالمكان من ملوك الأرض أو الأخيار فليس به ، فكيف بالملك الجبار الذي ما ارتفع قدر مكان ولا جلّ خطره إلا به ، وإذا كان كذلك بطل أن يكون في الإضافة تعظيمه ، ثم يكون فيما بعد ذلك للحاجة ، وهو يتعالى عنها ؛ فلذلك لم يجب بقوله : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [ طه : 5 ] . معنى الكون في المكان ؛ إذ ذلك الحرف يعبّر به عن العلوّ والجلال ، ومحال مثله له بخلقه ، فثبت أن ذلك من الوجه الذي يستحقه بذاته من العلو والرفعة ، وما هو بذاته عليه ، فهو كان كذلك ولا خلق ، لم يجز الوصف له بالخلق ، ولا قوة إلّا باللّه . مع ما يكون ذلك الاعتقاد عن علم تقدم بحال من يضاف إليه ذلك في الشاهد قبل الإضافة من الاحتمال ، ثم اللّه سبحانه كان ولامكان ، وعلى ذلك اعتقاد الأنام ، لم يجز أن يتغير الفهم عن الإضافة عما كان من قبل ، وإليه ينصرف الفهم عن الإضافة إلى خلقه . على أن تخصيص إضافات الأشياء إلى اللّه في الشاهد يخرج مخرج التعظيم لها بما جعل فيها من الأمور المرضية والأحوال المحمودة ، فما بال العرش من بين ذلك ؟ ولا قوة إلّا باللّه . وعلى ذلك يفسد قول من يصفه بكل مكان ؛ إذ لا فرق بين مكان واحد مخصوص يضاف إليه وبين الجملة ، بل الفرد في بيان تعظيمه أولى ؛ إذ في ذلك تخصيص ذلك الشيء بالذّكر ، وفي الذّكر تشريف وتكريم ، فيرجع إلى ذكر علو ذلك الشيء ، وفي الإرسال وجمع الكل إلى تخصيصه وحقيقته صفة اللّه كما يقال : رب كل شيء ، وإله كل شيء ، على تعظيم الرب وتبجيله ، وإذا قيل : رب محمد ، وإله إبراهيم ، فإنما يقصد قصد تشريفهما وتعظيمهما ، فقياس ذلك أن تكون الإضافة إلى العرش توجب تعظيم العرش وتكريمه ، وإلى كل الأمكنة توجب وصف اللّه بها ، وذلك قبيح ؛ إذ لم يكن يوصف به في الأزل . ولا يوصف شيء بالقرب إلى اللّه من طريق المسافة والمساحة ، ولا هو بالقرب إلى شيء من ذلك الوجه ؛ إذ ذلك جهة الحدود والتقدير بالأمكنة ، وقد كان ولامكان ، فهو على ما كان ، يتعالى عن الزمان والمكان ؛ إذ إليهما ترجع حدود الأشياء ونهايتها ، ولا قوة إلّا باللّه .